صديق الحسيني القنوجي البخاري

100

فتح البيان في مقاصد القرآن

ضلعه الأيسر فلذا كان كل إنسان ناقصا ضلعا من الجانب الأيسر ، فجهة اليمين أضلاعها ثمانية عشر ، وجهة اليسار أضلاعها سبعة عشر ، وقصة خلقها مبسوطة في كتب السنة لا نطول بذكرها هنا فيه دلالة عن أن الجنة مخلوقة الآن . واختلفوا في الجنة التي أمر آدم بسكناها فقيل إنها جنة كانت في الأرض ، وقيل هي دار الجزاء والثواب ، لأنها المعهودة ، وقيل هي جنة بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان ، خلقها اللّه امتحانا لآدم ، وحمل الإهباط على النقل منها إلى أرض الهند كما في قوله تعالى : اهْبِطُوا مِصْراً [ البقرة : 61 ] لما أن خلق آدم كان في الأرض بلا خلاف ، ولم يذكر في هذه القصة رفعه إلى السماء ولو وقع ذلك لكان أولى بالذكر والتذكير ، لما أنه من أعظم النعم ، ولأنها لو كانت دار الخلد لما دخلها إبليس وقيل إنها كانت في السماء السابعة بدليل اهْبِطُوا ثم إن الإهباط الأول كان منها إلى السماء الدنيا ، والثاني منها إلى الأرض ، وقيل الكل ممكن والأدلة النقلية متعارضة فوجب التوقف وترك القطع ، قاله أبو السعود . قلت وقد استوعب الحافظ ابن القيم في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأقراح دلائل الفريقين من غير تصريح برجحان أحد القولين واللّه تعالى أعلم . وَكُلا مِنْها أي أجمعا بين الاستقرار والأكل من رزق الجنة رَغَداً رغد العيش اتسع ولان أي رزقا واسعا لينا ، وأرغد القوم أخصبوا الرغيدة الزبد حَيْثُ شِئْتُما أي في أي مكان من الجنة شئتما ، وسع الأمر عليهما إزاحة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها التي لا تنحصر وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يعني للأكل ، والقرب الدنو . قال الأصمعي : والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة ولهذا جاء به عوضا عن الأكل ، ولا يخفى أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل لأنه قد يأكل من ثمرة الشجرة من هو بعيد عنها إذا حمل إليه ، فالأولى أن يقال المنع من الأكل مستفاد من المقام ، والشجر ما كان له ساق من نبات الأرض وواحده شجرة . واختلف أهل العلم في تعيين هذه الشجرة فقيل هي الكرم وقيل هي السنبلة قاله ابن عباس ، وله عنه طريق صحيحة ، وقيل التين ، وقيل الحنطة ، وقيل اللوز ، وقيل النخلة ، وقيل هي شجرة القلم ، وقيل الكافور ، وقيل الأترج ، وقيل هي شبه البر وتسمى الدعة ، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم ، وقيل عن جنس من الشجرة ، وقيل ليس في ظاهر الكلام ما يدل على التبيين إذ لا حاجة إليه لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصودا لا يجب بيانه . فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ يعني إن أكلتما من هذه الشجرة ظلمتما أنفسكما فمن